دكان البغاجة

أ. خلدون الشيشكلي

كان لقب البغاجيت يطلق في الماضي على كل من يصنع الحلويات اشتقاقاً من اللغة التركية. والبغاجة هي أحد ألذ أنواع الحلويات الفاخرة، وهي بالذات أحد أرقى أنواع الفطائر المصنوعة من رقاق عجينة الحلويات المشبعة بالسمن العربي بنوعيها: المحشو باللحم، أو بالقشطة العربية والقطر. فطائر البغاجة التي نتكلم عنها اسمها الحقيقي (الحدف)  وقد كانت أيام زمان من مأكولات الطبقة الغنية جداً من الناس فقط لكنها اليوم والحمد لله أكلة شعبية وبمتناول جميع الناس، لكن لحم الضأن الصافي الممتاز واللوز والصنوبر اختفى هذه الأيام. وبكل أسف وحل محله كثير البصل والبهارات، وبعض فرم اللحم الصغيرة القليلة والمتناثرة على غير هدى، والتائهة على سطح الفطيرة المشبعة بالسمن المهدرج الضار، ذي الطعم الكريه والرائحة الواخزة، حتى ولو عطرت (باسنات) روائح تركيبية تشبه وتقلد روائح السمن العربي الصافي، وبدلاً عن القشطة البلدية الحقيقة صارت فطائر بغاجة القشطة مخلوطة النشاء والطحين، أو مطحون الرز وبعض السكر ، وحتى القطر الذي كان معطراً ومصنوعاً من صافي السكر صار القطر الإفرنجي التركيبي بديلاً عنه، في دكان بيع البغاجة كانت تباع أيضاً صرر الأوزي الجد لذيذة، ولعلها الأفخر في قائمة المأكولات العربية على الإطلاق لأنها مكونة من رقائق العجين بالمعجونة بصافي السمن العربي الذكي، والفواح الرائحة، واللذيذ الطعم، والمحشوة بأفخم أنواع الأرز والبازلاء واللوز والصنوبر. كان هذا أيام زمان، أما هذه الأيام فقد تغيرت مواصفات هذا الصنف الرائع من ألذ أنواع الطعام،  واستعمالاتها التي باتت محصورة في أغلب الأحيان في الطعام الذي يقدم بعد دفن الموتى في الجنائز. نوع رائح آخر من الحلويات العربية الرائعة كان يباع في ذات الدكان، وكان البغجاتي، خصوصاً في شهر رمضان المبارك، وكان يدعى (النهش) وكان يحتوي إضافة لرقاقات العجين المعجون بالسمن العربي، القشطة العربية الحقيقة ويرش بقطر السكر والفستق الحلبي المبشور، أما اليوم، وفي أغلب دكاكين الحلويات بات عبارة عن طبقات من رقائق العجين المعجونة بالسمن المهدرج الكريه، ومحشواً بمادة لا تمت للقشطة العربية بصلة، ولا حول ولا قوة إلا بالله. بائع بغاجة هذه الأيام إن وجد فهو ظل لصدى مبدع بغاجة أيام زمان على أصولها، ولذا اندثرت دكاكين البغاجة الجيدة بعد أن رفضها زبونها حتى الفقير بفقر ما فيها، ولسوء ما تحتويه.

© All rights reserved 2021